بقلم: إبراهيم علي
لم تكن الردود والتعليقات التي أعقبت مقالي الأخير حول «ملف العلاوات الخاصة» بشركات مياه الشرب والصرف الصحي مجرد كلمات عابرة، بل كانت نبضًا حيًا يتدفق بالوجع والأمل في آن واحد.
ومن بين عشرات التعليقات التي صاحبت وأعقبت نشر المقال، استوقفتني رسالة أحد العاملين حملت عتابًا نبيلًا وسؤالًا مشروعًا مفادها: «إذا كنت قد وجهت رسالة للعمال تطالبهم فيها بالصبر والعقلانية.. فلماذا لا توجه رسالة مماثلة للسادة المسؤولين وصناع القرار؟».
وكان نصها الذي جاء غاضباً وعنيفاً بعض الشيء من حساب على منصة الفيس بوك يحمل اسم Omar Smir: «مفيش رسالة للقيادات ولا الرسائل كلها للعمال.. متسأل راحت فين ومتصرفتش ليه العلاوات من ساعتها. وكل حاجة بتغلا ومرتبنا هو هو وإن إحنا لازم نتعوض.. أهو موضوع مقال أهو ورينا شطارتك».
ولأنني وجدت في هذا المطلب وجهة نظر عادلة وجديرة بالاحترام، رغم نبرة الانتقاد التي اكتنفتها، فإنني أسطر هذا المقال استجابةً له. اليوم، أخلع عباءة المراقب وأستأذنكم في الجلوس على مقاعد العاملين بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي والشركات التابعة لها في المحافظات، محاولًا – إن كان لي الحق في ذلك – أن أتحدث بلسانهم، وأنطق بما تجيش به صدورهم، وأنقل رسالتهم إلى السادة المسؤولين في مجلس النواب، ووزارة الإسكان، والشركة القابضة؛ أنقل رسائلهم للمهندسة راندة المنشاوي وزيرة الإسكان، والمهندس مصطفى الشيمي، والمهندس أحمد شلبي رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب، بل وللسيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.
يا سادة يا كرام.. نحن لا ننكر، بل وأكدنا سابقًا، أن الأزمة قديمة وتراكمت ككرة الثلج منذ عام 2016، وأنها تضخمت حتى أصبحت تحتاج إلى ميزانيات ضخمة وجرأة في اتخاذ القرار لحلها. لكننا في المقابل نذكركم بأن “حل المعضلات وتفكيك الأزمات الموروثة” هو عين واجبكم، وهو صلب دوركم الذي تقتضيه كراسي المسؤولية التي تجلسون عليها. إن إعطاء العاملين حقوقهم المشروعة لا يمكن أن يكون منّة من أحد، ولا تفضلًا من مسؤول، بل هو التزام قانوني وأخلاقي قبل أي شيء.
وإذا كان لسان حال الإدارة والوزارة يطالب العمال اليوم بالصبر والانتظار، فعلينا أولًا أن ندرك جميعًا أن هذا الصبر قد تمدد فوق الطاقة، وأن الانتظار قد طال حتى أوشك الصبر نفسه أن ينفد.
هؤلاء العمال أثبتوا بوعيهم أنهم كانوا ولا زالوا وسيظلون ،حريصين على مقدرات الدولة، يرفضون تمامًا سلوك أي مسلك يخالف القانون أو يضر بهذا المرفق الحيوي – وسيستمرون كذلك – .
لكنهم – في الوقت ذاته – هم بشر، يعيشون تحت وطأة ضغوط حياتية ومعيشية خانقة، ويكافحون يوميًا لتلبية أبسط احتياجات أبنائهم وأسرهم.
الحقيقة المريرة التي يجب أن توضع على طاولة صناع القرار هي أن معظم هؤلاء العمال اضطروا للاقتراض من البنوك، وباتوا مُكبلين بفوائد وأقساط شهرية لمواجهة أعباء المعيشة التي لا ترحم، في مفارقة مؤلمة تجعل «حماة ومشغلي مرفق مياه الشرب والصرف الصحي» غارقين في الديون!.
السادة صناع القرار، إن العلاوات الخاصة حق أصيل وثابت لهؤلاء العمال. ومن غير المنطقي، بل ومن الإجحاف، أن نطالب كل عامل على حدة بأن يسلك طريق المحاكم ويقيم دعوى قضائية فردية للحصول على حقه. فهم لا يملكون ترف الوقت لتحمل طول أمد التقاضي، ولا يطيقون أعباء وتكاليف الرسوم والمحامين. إن عدالة القضية تقتضي حلًا شاملًا وجماعيًا ينهي هذه المأساة بقرار إداري وتنفيذي شجاع.
إننا هنا لا نتحدث عن أرقام صماء في ميزانية، بل عن عشرات الآلاف من السواعد القوية والجنود المجهولين الذين يمثلون العمود الفقري وعماد الشركة القابضة وشركاتها التابعة. هؤلاء هم الذين يحملون على عواتقهم أعباءً جسامًا، ويواصلون الليل بالنهار وسط بيئات عمل شاقة لضمان استقرار، واستدامة، وتتابع وصول خدمة مياه الشرب والصرف الصحي النظيفة والآمنة لكل بيت مصري دون انقطاع.
إن صلاح أحوال هؤلاء العاملين، واستقرارهم النفسي والاجتماعي، هو من صلاح أحوال الشركات ذاتها؛ فلا يمكن لتروس هذه المنظومة الخدمية العملاقة أن تدور بكفاءة أو تحقق طموحات الدولة في التنمية البنائية إن غاب الرضا والإنصاف عن صانعيها الحقيقيين.
الخلاصة التي نضعها أمامكم: إذا كنا نطالب العمال بالصبر والانتظار، فعلينا نحن كمسؤولين أن نسابق الزمن ونُسرع بالحل. قطار الإجراءات الحكومية واللجان المشتركة يجب أن يتحرك بأقصى سرعة ممكنة لتوفير التمويل والغطاء التشريعي لضم هذه العلاوات.
العمال قدموا «السبت» بصبرهم وانضباطهم.. فمتى تقدم الحكومة «الأحد» بقراراتها؟.




