كتب ـ إبراهيم علي وأحمد الفيومي:
في واحدة من أكثر معادلات الدولة تعقيدًا، تقف خدمة المياه عند تقاطع حساس بين حق المواطن، وتكلفة الإنتاج، واستدامة المرفق العام.
فالمياه سلعة لا يمكن تسعيرها بمنطق السوق الحر، ولا يمكن في الوقت نفسه إدارتها دون حسابات دقيقة تضمن استمرار الخدمة وعدم تهالك الأصول.
في هذا الجزء من الحوار، يكشف الدكتور سيد إسماعيل نائب وزير الإسكان، كيف انتقلت الدولة من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، إلى التصنيع المحلي والتعاقد بالجنيه المصري، وكيف انعكس ذلك على خفض التكلفة، وترشيد الإنتاج، وحماية المواطن من أعباء غير عادلة، عبر منظومة حسابية دقيقة لا تقوم على الشعارات، بل على القياس والإدارة الرشيدة.

ـ كثيرًا ما يُثار الحديث عن فجوة كبيرة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.. ما حقيقة الأرقام؟
الأرقام بالفعل قد تكون صادمة للبعض. فتكلفة تنقية متر المياه السطحية تتراوح حاليًا بين 4 و5 جنيهات، في حين يتم بيع المتر في الشريحة الأولى بنحو جنيه وربع فقط.
هذا يعني أن الدولة تتحمل دعمًا يقارب 70% لهذه الشريحة، وهو دعم مقصود وموجه؛ لأن أكثر من 60% من السكان يعيشون في القرى والنجوع، وحمايتهم اقتصاديًا تمثل أولوية قصوى للدولة.

ـ كيف تضمن الدولة استمرارية الخدمة رغم هذه الفجوة؟
نطبق نظام الشرائح التصاعدية لتحقيق العدالة الاجتماعية.
الشريحة الأولى (من 0 إلى 10 أمتار مكعبة) هي الشريحة المحمية، وكلما ارتفع الاستهلاك ودخل في شرائح الرفاهية، يقل الدعم تدريجيًا.
بهذا الشكل، يحصل من يستهلك بشكل معتدل على دعم حقيقي، بينما يتحمل الاستهلاك المرتفع تكلفته العادلة، دون المساس بحق المواطن البسيط في خدمة أساسية.

كيف ينظر الخبراء الأجانب إلى هذه التعريفة؟
عندما يطلع خبراء من أوروبا أو الولايات المتحدة على التعريفة في مصر، يصابون بحالة من عدم التصديق.
في كثير من هذه الدول، يبلغ سعر متر المياه نحو 1.5 دولار، أي ما يتجاوز 70 جنيهًا مصريًا.
وعندما يرون أن مصر تبدأ من “جنيه وربع”، يقلقون على استدامة المرفق.
لكننا نوضح لهم دائمًا أن هذا نابع من عقد اجتماعي تلتزم به الدولة، مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية لشرائح واسعة من المواطنين.

ترفعون شعار «الترشيد».. كيف يتم ترجمة ذلك إلى أرقام فعلية؟
الترشيد بالنسبة لنا ليس تقليلًا للخدمة، بل حماية لأصول واستثمارات الدولة.
وإليك هذا الرقم الدال:
قبل خمس سنوات، كان إجمالي الإنتاج اليومي من المياه نحو 34 مليون متر مكعب، اليوم، ورغم الزيادة السكانية والمشروعات القومية، انخفض الإنتاج إلى نحو 30.7 مليون متر مكعب يوميًا.
هذا الانخفاض لا يعني نقص الخدمة، بل تقليل الفاقد، وتحسين كفاءة الشبكات، وترسيخ ثقافة الترشيد.

ـ كيف ينعكس الترشيد على المواطن مباشرة؟
الأمر بسيط: كلما رشّد المواطن استهلاكه، انتقل تلقائيًا من شريحة أعلى إلى شريحة أقل، ليصبح هو المتحكم الأول في قيمة فاتورته..ونحن لا نفرض الترشيد بقرارات إدارية فقط، بل نترك “الحنفية” نفسها وسيلة تحكم بيد المواطن.

«ما لا يقاس لا يدار».. كيف انعكس هذا المبدأ على منظومة العدادات؟
هذا مبدأ أعمل به منذ أكثر من 27 عامًا.
إذا لم تعرف كم تنتج وكم تستهلك، فلن تنجح في الإدارة..تاريخيًا، كان معدل تركيب العدادات لا يتجاوز 200 ألف عداد سنويًا.
خلال العشر سنوات الأخيرة، قفزنا من 13 مليون عداد إلى أكثر من 20 مليون عداد، أي قمنا بتركيب نحو 7 ملايين عداد في عقد واحد.
لو استمررنا بالمعدل القديم، لما تجاوزنا مليوني عداد فقط.

كيف تحمي العدادات المواطن قبل أن تحمي الدولة؟
العداد يحمي المواطن من التقدير الجزافي. وبدونه، قد يُحاسب المواطن على استهلاك تقديري يصل إلى 20 مترًا مكعبًا، بينما استهلاكه الفعلي لا يتجاوز 5 أو 7 أمتار.
فالقياس الدقيق يضمن العدالة، ويعيد الثقة بين المواطن ومقدم الخدمة.

ـ يثير بند «استدامة الخدمة» في الفاتورة تساؤلات لدى البعض.. ما مبرره الفني؟
استدامة الخدمة تعني ببساطة الحفاظ على الشبكة والأصول في حالة تشغيلية جيدة، حتى في الوحدات المغلقة.
والمواسير والمحابس تحتاج إلى صيانة وقائية مستمرة لمنع الصدأ والتآكل.
هذا المبلغ البسيط – الذي يدور حول 2.5 جنيه – هو ما يضمن للمواطن عودة المياه بجودتها الكاملة فور فتح الوحدة مرة أخرى.
نحن لا نضع أي رقم دون دراسة دقيقة؛ فجميع المقترحات تمر على الجهاز التنظيمي، وتُناقش فنيًا وماليًا قبل اعتمادها، لأن القرار يمس حياة أكثر من 100 مليون مواطن.




