بقلم: إبراهيم حسن
جاءت موافقة مجلس الوزراء في اجتماعه يوم الأربعاء 20 مايو 2026 برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على تعديل بعض أحكام قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 لتؤكد أن الدولة المصرية تتجه نحو نموذج أكثر مرونة وواقعية في إدارة الشركات المملوكة لها، يقوم على التفرقة بين الشركات التجارية التقليدية وبين الشركات التي تدير مرافق عامة حيوية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين واستقرار الدولة
ورغم أن التعديلات الجديدة تضمنت السماح في بعض الحالات بالجمع بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي فإن القراءة الدقيقة للنصوص تكشف بوضوح أن الحكومة لم تتجه نحو إلغاء الفصل بين القيادة والرقابة بل وضعت ضوابط تؤكد أن هذا الجمع يظل استثناءً مرتبطًا بطبيعة النشاط وحجم الشركة وأهمية دورها الاستراتيجي.
فالمادة المستحدثة 35 مكرر 2 نصّت على جواز الجمع بين المنصبين فقط في الشركات التي لا يستدعي حجم أعمالها أو رأسمالها الفصل بينهما، وهذا النص في جوهره يحمل اعترافًا ضمنيًا بأن هناك شركات يمكن فيها تركيز السلطات التنفيذية والرقابية في يد واحدة في حالات خاصة ومن أمثلتها الشركات التي تدير خدمات يومية تمس الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
ومن هنا يظهر بوضوح أن التعديلات الأخيرة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع الرؤية التي تبنتها الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في نظامها الأساسي منذ سنوات والتي قامت على إمكانية الجمع بين منصب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي والعضو المنتدب التنفيذي، باعتبار أن قطاع مياه الشرب والصرف الصحي ليس مجرد نشاط اقتصادي بل مرفق عام حيوي يرتبط بصحة المواطنين والأمن المائي والاستقرار الاجتماعي.
والأكثر أهمية أن التعديل الخاص بالمادة 38 حمل رسالة سياسية وإدارية واضحة بعدما استثنى الشركات القائمة على إدارة المرافق العامة الحيوية أو الأنشطة ذات الطابع القومي الاستراتيجي من بعض القواعد المرتبطة بالتصفية أو التخارج مع استمرار تبعيتها للدولة، ووضع الخطط اللازمة لتعافيها ودعم قدرتها على الاستمرار وهو ما يعكس إدراك الدولة أن هذه الشركات لا تُدار فقط بمنطق الربحية بل بمنطق الاستدامة والأمن القومي واستمرارية الخدمة العامة.
وفي الحقيقة فإن هذه الرؤية لم تأتِ من فراغ بل كانت محل دفاع واضح داخل قطاع المياه لسنوات طويلة من رئيس الشركة الأسبق المهندس ممدوح رسلان ورئيس الشركة الحالي المهندس مصطفى الشيمي ونواب الشركة القابضة واللجنة القانونية العليا الذين قدموا عرضًا دقيقًا وواضحًا يؤكد أن طبيعة قطاع المياه تتطلب توازنًا دقيقًا بين سرعة القرار التنفيذي واستقلالية الرقابة وأن الجمع بين من يرسم السياسات ومن ينفذها يخلق قدرًا أكبر من الانضباط المؤسسي ويعزز استقرار الشركات على المدى الطويل.
ومن هنا فإن التعديلات الأخيرة يمكن اعتبارها انتصارًا لفكرة الحوكمة المتخصصة التي تراعي طبيعة كل قطاع بدلًا من تطبيق نموذج إداري واحد على جميع الشركات فالمرافق الحيوية وعلى رأسها المياه والصرف الصحي تحتاج إلى مستويات أعلى من الرقابة المؤسسية ليس فقط لحماية المال العام بل لضمان استمرارية الخدمة للمواطنين بكفاءة واستقرار.
لقد أكدت الدولة من خلال هذه التعديلات أن المرونة الإدارية مطلوبة، لكن دون الإخلال بأسس الحوكمة الرشيدة، وأن الشركات التي تدير مرافق استراتيجية ستظل لها طبيعة خاصة تتطلب معايير أكثر دقة في الإدارة والرقابة وهي رسالة تعكس نضجًا في الفكر الإداري وانتصارًا حقيقيًا للرؤية التي تبنتها الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي منذ سنوات.




