بث تجريبي
7 مارس, 2026 | 05:30
Google search engine
الرئيسيةالرئيسيةمتى يصبح قطاع المياه سوقًا منظمًا لا مرفقًا إداريًا؟

متى يصبح قطاع المياه سوقًا منظمًا لا مرفقًا إداريًا؟

بقلم: إبراهيم حسن

صدور قانون تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي لم يكن مجرد إضافة تشريعية جديدة إلى المنظومة، بل يمثل ـ إذا أُحسن تطبيقه ـ نقطة تحول تاريخية من نموذج “المرفق الإداري” إلى نموذج “السوق المنظم”.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل يكفي صدور القانون ليصبح لدينا سوق؟

الإجابة الواضحة: لا.

السوق لا يُنشأ بالنصوص.. بل بالآليات، من الإدارة إلى التنظيم.. عقود طويلة ظل قطاع المياه يعمل بمنطق الإدارة المركزية:

موازنات تقديرية، تكاليف غير مفصولة، دعم متداخل، ومؤشرات أداء غير مرتبطة بالعائد.

أما جوهر القانون الجديد، فيكمن في الانتقال إلى مفهوم التنظيم الاقتصادي، حيث تصبح هناك جهة مستقلة تضبط العلاقة بين المنتج والمشغل والمستهلك، مثل الجهاز التنظيمي لمياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك، الذي يفترض أن يمارس دوره كمنظم للسوق لا كجزء من هيكل إداري تقليدي.

لكن التنظيم الحقيقي لا يكتمل إلا بتغيير هيكل الصناعة نفسها.

السوق يبدأ بفصل الأدوار

لن تنشأ سوق تنافسية في قطاع المياه إلا إذا تحقق الفصل الواضح بين:

1. الإنتاج (محطات التنقية والتحلية والمعالجة).

2. النقل والتوزيع (الشبكات) مع التحصيل وخدمة العملاء.

طالما أن الشركة الواحدة تنتج وتوزع وتحصل في آنٍ واحد، فلن نستطيع قياس التكلفة الحقيقية، ولن نستطيع المقارنة بين شركة وأخرى.

السوق يعني أن أعرف بدقة:

ـ من ينتج المتر المكعب بأقل تكلفة.

ـ من يهدر طاقة أعلى.

ـ من يفقد نسبة أكبر من المياه في الشبكات.

ـ من يحقق أعلى كفاءة تحصيل.

لا سوق بلا تكلفة حقيقية

أحد أكبر معوقات التحول إلى سوق منظم هو غياب التكلفة المفصولة.

ـ هل نحسب الطاقة وحدها؟

ـ هل نحسب الإهلاك؟

ـ هل نُحمّل الفاقد التجاري على تكلفة الإنتاج؟

ـ هل نفصل بين تكلفة الخدمة الاجتماعية وتكلفة التشغيل الاقتصادي؟

بدون إجابة رقمية دقيقة على هذه الأسئلة، ستظل المنافسة شعارًا لا واقعًا.

دور الشركة القابضة.. من مشغل إلى مالك أصول

على الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي أن تعيد تعريف دورها:

ـ هل هي مدير تشغيل يومي؟ أم مالك أصول يضع عقود أداء ويحاسب عليها؟

في الأسواق المنظمة عالميًا، تتحول الشركات القابضة إلى مالك استثماري يضع مستهدفات أداء، ويترك للإدارة التنفيذية حرية تحقيقها، مع مساءلة صارمة.

 

المنافسة لا تعني الخصخصة

ثمة خلط شائع بين “السوق” و”الخصخصة”.

السوق لا تعني التخلي عن الأصول العامة، بل تعني إدخال منطق الكفاءة والقياس والمقارنة.

يمكن أن تظل الدولة مالكة للشبكات، بينما يُدار الإنتاج بعقود أداء تنافسية، كما هو الحال في تجارب إقليمية ناجحة مثل السعودية في قطاع التحلية، حيث يجري التعاقد على الإنتاج وفق معايير تكلفة وجودة محددة سلفًا.

الدولة هنا لا تنسحب… بل تنظّم.

متى تصبح لدينا سوق فعلي؟

تصبح لدينا سوق عندما:

ـ تُنشر مؤشرات الأداء علنًا بين الشركات.

ـ تُقارن تكلفة الإنتاج لكل متر مكعب بشفافية.

ـ يُكافأ من يخفض الفاقد.

ـ يُحاسب من يهدر الطاقة.

ـ تُربط الحوافز بالأداء لا بالوظيفة.

ـ يُسمح بالتعاقد التنافسي على إدارة بعض الأنشطة.

السوق ليس قرارًا إداريًا…

بل بيئة مؤسسية مكتملة.

 

الخلاصة

القانون فتح الباب.

لكن العبور إلى السوق يتطلب شجاعة مؤسسية في:

ـ فصل الأنشطة

ـ كشف التكلفة الحقيقية

ـ اعتماد عقود أداء

ـ تمكين المنظم من ممارسة دوره باستقلال

عندها فقط لن يكون قطاع المياه “مرفقًا إداريًا يقدم خدمة”، بل “صناعة منظمة” تتنافس فيها الكفاءة، وتُحمى فيها العدالة الاجتماعية، ويُدار فيها الدعم بوعي اقتصادي.

السؤال لم يعد: هل نريد سوقًا؟

بل: هل نمتلك الإرادة لتطبيق قواعده؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات