الرئيسيةالرئيسيةهل تصبح الخدمة العامة نموذجًا وطنيًا لسد عجز العمالة في شركات مياه...

هل تصبح الخدمة العامة نموذجًا وطنيًا لسد عجز العمالة في شركات مياه الشرب والصرف الصحي؟

بقلم: د. إبراهيم حسن

تواجه شركات مياه الشرب والصرف الصحي في مصر تحديًا متزايدًا يتمثل في اتساع الفجوة بين أعداد العاملين والاحتياجات الفعلية للتشغيل نتيجة إحالة أعداد كبيرة من الكوادر إلى التقاعد مع محدودية التعيينات الجديدة، في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في إنشاء محطات المياه والصرف الصحي ومد الشبكات لتلبية احتياجات المواطنين وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ومع استمرار القيود على التعيينات يصبح البحث عن حلول مبتكرة ومرنة ضرورة إدارية وليس مجرد خيار تنظيمي خاصة أن خدمات مياه الشرب والصرف الصحي من المرافق الحيوية التي تعمل على مدار الساعة ولا تحتمل أي تراجع في كفاءة التشغيل أو جودة الخدمة.

وأمام هذا الواقع يبرز سؤال يستحق الدراسة:

هل يمكن تحويل الخدمة العامة من التزام يؤديه الشباب إلى برنامج وطني لدعم تشغيل شركات مياه الشرب والصرف الصحي وتأهيل الكوادر؟

في تقديري، الإجابة هي نعم، إذا انتقلنا من مفهوم سد العجز إلى مفهوم بناء القدرات.

لقد أثبتت ألمانيا نجاحًا كبيرًا من خلال نظام التدريب المهني المزدوج Ausbildung الذي يدمج بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل مواقع العمل، فيتخرج المتدرب وهو يمتلك المهارات والخبرة التي تؤهله للاندماج الفوري في بيئة العمل.

ولا أدعو إلى نقل التجربة الألمانية بحذافيرها، فلكل دولة ظروفها، كما أن النظام التعليمي في ألمانيا يختلف عن نظام الخدمة العامة في مصر، لكن ما يمكن الاستفادة منه هو فلسفة إعداد الكوادر من خلال التدريب العملي المنظم داخل بيئة العمل بما يتناسب مع الواقع المصري.

ومن هنا يمكن تطوير نظام الخدمة العامة ليصبح برنامجًا تدريبيًا داخل شركات مياه الشرب والصرف الصحي، يخضع فيه المكلف لتدريب عملي ومنهجي تحت إشراف خبرات الشركة، مع تقييم دوري للأداء وإصدار شهادة خبرة معتمدة توثق المهارات التي اكتسبها خلال فترة التكليف.

ويمكن الاستفادة من المكلفين في العديد من المجالات مثل خدمة العملاء ومراكز الاتصال والتحول الرقمي وإدخال وتحليل البيانات ونظم المعلومات الجغرافية GIS، وإدارة الأصول والمعامل والتوعية المجتمعية، والدعم الإداري والهندسي، مع استمرار قصر الوظائف الفنية الحرجة وأعمال التشغيل والصيانة التخصصية والمسؤوليات المالية والقانونية على العاملين المؤهلين.

ولتحقيق الاستدامة، أقترح إنشاء برنامج موحد لإدارة الخدمة العامة على مستوى الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، يتضمن مناهج تدريب موحدة وأدلة إجراءات تشغيل ونظامًا موحدًا لتقييم الأداء وقاعدة بيانات مركزية لتوزيع المكلفين بين الشركات التابعة وفق الاحتياجات الفعلية لكل شركة.

ولكي يكون المقترح أكثر قابلية للتنفيذ يمكن البدء بتطبيق تجريبي في عدد محدود من الشركات التابعة لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعام مع قياس مؤشرات أداء رئيسية تشمل سرعة التأهيل ومستوى الالتزام واكتساب المهارات ومدى مساهمة البرنامج في تخفيف أعباء العمل ومستوى رضا الإدارات المستفيدة ثم تقييم النتائج والتوسع التدريجي في التطبيق

أما من حيث التمويل فلا يتطلب البرنامج مخصصات مالية كبيرة إذ يمكن الاستفادة من مراكز التدريب والإمكانات المتوافرة بالفعل داخل شركات المياه مع إعادة توجيه جزء من موازنات التدريب السنوية وهو ما يجعل التكلفة محدودة مقارنة بالعائد المتوقع على كفاءة التشغيل واستدامة الخدمة.

كما يمكن منح المكلفين المتميزين أولوية في مسابقات التعيين المستقبلية، لتصبح الخدمة العامة مسارًا لإعداد كوادر مؤهلة تعرف طبيعة العمل داخل القطاع مما يقلل زمن التأهيل ويرفع كفاءة العاملين الجدد منذ اليوم الأول.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في تدريب المكلفين يعد أقل تكلفة من تحمل آثار نقص العمالة أو تراجع جودة الخدمات أو فقدان الخبرات التراكمية خاصة في قطاع يعتمد على التشغيل المستمر وسرعة الاستجابة للأعطال وخدمة ملايين المواطنين يوميًا.

إن استدامة تشغيل شركات مياه الشرب والصرف الصحي ليست قضية إدارية فقط، بل هي قضية أمن مائي وصحي وركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي المصري، ومن ثم فإن تطوير الخدمة العامة لتصبح مدرسة وطنية للتدريب والتأهيل قد يمثل أحد الحلول العملية التي تجمع بين خدمة الوطن وتأهيل الشباب، وضمان استمرارية أحد أهم المرافق الحيوية في الدولة.

الخلاصة

إن التجربة الألمانية تعلمنا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، وإذا كانت ألمانيا قد نجحت في تحويل التدريب إلى أحد أسرار قوة اقتصادها، فإن مصر تمتلك فرصة لتطوير نموذج وطني يجعل الخدمة العامة منصة لإعداد كوادر مؤهلة لقطاع مياه الشرب والصرف الصحي، بما يسهم في سد الفجوة البشرية ونقل الخبرات ورفع كفاءة التشغيل وضمان استدامة الخدمات.

إن الاستثمار في الكوادر البشرية لا يقل أهمية عن الاستثمار في محطات المياه وشبكاتها، فالمرافق لا تُدار بالمعدات وحدها بل بالعقول القادرة على تشغيلها وتطويرها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات