بقلم: إبراهيم حسن
لم يعد ملف التصالح في مخالفات البناء مجرد قضية قانونية أو عمرانية تتعلق بتقنين أوضاع قائمة بل أصبح يحمل أبعادًا اقتصادية وتشغيلية شديدة الأهمية لعدد كبير من مؤسسات الدولة وفي مقدمتها شركات مياه الشرب والصرف الصحي.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الخطاب الصادر عن إدارة التراخيص والتفتيش والمتابعة بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة والمتداول عبر صفحات التواصل الاجتماعي بشأن قبول شهادات توصيل المرافق الصادرة للمواطنين الحاصلين على نماذج التصالح باعتبارها مستندات معتمدة لتيسير إجراءات تركيب العدادات.
وتكمن أهمية هذا الخطاب في أنه لا يمثل مجرد إجراء إداري بل يعكس توجهًا واضحًا نحو الربط العملي بين منظومة التصالح ومنظومة المرافق بما يضمن انتقال العقارات المخالفة من الوضع غير الرسمي إلى الوضع القانوني الكامل.
هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا لشركات مياه الشرب والصرف الصحي لأنها تفتح الباب أمام إدخال ملايين الوحدات إلى المنظومة الرسمية بعد سنوات طويلة من وجود عدد كبير من العقارات التي تستهلك الخدمات بصورة فعلية دون أن تكون مسجلة بشكل كامل داخل قواعد البيانات الرسمية.
لقد عانت شركات المرافق لسنوات من التوصيلات غير القانونية وصعوبة حصر الاستهلاك الفعلي في عدد من المناطق العمرانية وهو ما تسبب في فقد جزء من الإيرادات وارتفاع نسب المياه غير المحاسب عليها فضلًا عن صعوبة التخطيط الدقيق للتوسعات المستقبلية في الشبكات ومحطات المياه والصرف الصحي.
ومن هنا فإن تسهيل إجراءات التصالح وربطها بتوصيل المرافق يمكن أن يحقق عدة مكاسب استراتيجية لشركات المياه والصرف الصحي في مقدمتها زيادة أعداد المشتركين القانونيين وتحسين كفاءة التحصيل وتقليل الفاقد التجاري وبناء قواعد بيانات أكثر دقة عن الكثافات السكانية والاستهلاك الحقيقي.
كما أن إدخال الوحدات المتصالَح عليها إلى المنظومة الرسمية يمنح الشركات فرصة أفضل للتخطيط المستقبلي للبنية التحتية خاصة في المناطق التي شهدت توسعات عمرانية كبيرة خلال السنوات الماضية دون أن تنعكس بصورة كاملة في البيانات الرسمية.
وتزداد أهمية هذه الخطوة مع الاتجاه نحو تطبيق الرقم القومي للعقار والوحدة حيث يمكن لشركات المياه والصرف الصحي أن تصبح جزءًا أساسيًا من منظومة التحول الرقمي للعقار المصري باعتبارها تمتلك واحدة من أكبر قواعد البيانات المرتبطة بالمواطنين والوحدات السكنية على مستوى الجمهورية.
إن الربط بين بيانات المشتركين والرقم القومي للعقار سوف يساهم في تطوير منظومة التعاقد والتحصيل وإدارة الاستهلاك والشكاوى كما سيدعم قدرة الدولة على بناء سوق عقاري أكثر تنظيمًا وشفافية وجاذبية للاستثمار.
وفي تقديري فإن الخطاب الأخير يمثل بداية مهمة لمرحلة جديدة يتم فيها التعامل مع التصالح باعتباره أداة لإعادة تنظيم العمران والخدمات معًا وليس مجرد وسيلة لتقنين المخالفات فقط.
وبذلك تبدو الفرصة متاحة أمام المواطنين للإسراع في استكمال إجراءات التصالح وتركيب العدادات والاستفادة من حالة التيسير الحالية التي تستهدف دمج العقارات في المنظومة الرسمية للدولة
إن نجاح هذه المنظومة يمكن أن يحول ملف التصالح من عبء إداري مزمن إلى فرصة حقيقية لتعظيم موارد الدولة وتحسين جودة الخدمات وبناء قاعدة معلومات دقيقة تدعم خطط التنمية والتحول الرقمي في مصر خلال السنوات المقبلة.





