بث تجريبي
1 مارس, 2026 | 23:29
Google search engine
الرئيسيةالرئيسية"جابر" لا يملِك عصا سحرية... ولكن!

“جابر” لا يملِك عصا سحرية… ولكن!

بقلم: إبراهيم على

بحُكم عملي الصحفي، تعاملت كثيرًا مع وزارات وجهات حكومية عديدة، غير أن نقطة التحول الكبيرة حدثت عندما توليت مسؤولية العمل “كمستشار إعلامي” لوزارة القوى العاملة والهجرة، خلال الفترة من 2005 وحتى 2010.

قضيت خمس سنوات كاملة داخل أروقة العمل الحكومي، شاهدت وعايشت بل وشاركت في كل صغيرة وكبيرة، عرفت جيدًا الفارق بين الأجر الأساسي والأجر الشامل، عرفت معنى البدلات (طبيعة العمل – السهر – الجلسات – اللجان – السفر والانتقالات – الإقامة – …إلخ)، عرفت الحوافز والعلاوات بأنواعها.

الأهم من كل ذلك أنني عرفت أنه، وكما أن هناك قوانين ولوائح وقرارات وزارية تنظِّم منح كل تلك الامتيازات والحوافز، فهناك أيضًا وبشكل متوازٍ يوجد ما يسمى “الهوى البشري” الذي يملك مقدرة على تطويع اللوائح، لكي تشمل تلك الحوافز والبدلات “فلانًا” ويُحرم منها “فلان آخر”. عرفت أن هناك المقرَّبين وهناك أيضًا المبعَدين المحرومين. عرفت أن ديوان الوزارة صاحب الحظ الأكبر، يليه قيادات الصفين الأول والثاني، وليأتِ الآخرون متأخرين، إن أتوا من الأصل.

أيضًا علمت أن هذا التمييز بين قطاعات وإدارات الوزارة، يخلق وبشكل تراكمي حالة احتقان في النفوس التي تشعر بمرارة الظلم وعدم المساواة!

إن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي والشركات التابعة لها بالمحافظات، ليست ببعيدة عما يدور ويحدث في كثير من الهيئات والجهات الحكومية.

إن “لسان حال” العاملين بتلك الشركات، الذين يطالبون بحقوق “مشروعة” لتحسين أوضاعهم المعيشية، ينطق بأعلى صوت، أنه: (إذا كانت الأوضاع المالية للشركات ليست جيدة، فلابد أن يكون ذلك على كل العاملين)، لأنه –إذا جاز التعبير– “المساواة في الظلم عدل”، وأنه ليس مقبولًا وفي نفس الشركة، أن يكون هناك من يتقاضى كل حقوقه ويُسَجَّل اسمه في كل أنواع البدلات والحوافز، وهناك من يعاني شظف العيش!

هنا لا أقطع بأن هذا الأمر يتم بشكل مطلق بالقابضة وشركاتها، لكنه يحدث نسبيًا، بشكل أو بآخر، ويترك مرارة في الحلوق!

وهنا أذكر مثالًا واحدًا –ليس على سبيل الحصر– الموظفين السبعة الذين تم استدعاؤهم مؤخرًا من الإسكندرية للعمل بـ “القابضة”. إن هؤلاء السبعة يحصلون على بدل سكن أو بدل إقامة، أو تتحمل “القابضة” تكلفة ذلك من خلال إقامة فندقية أو خلافه، وأن هذا البدل وحده قد يساوي أجر شهر كاملًا لأي من العاملين.. هل هكذا تستقيم الأمور؟

إن العاملين قد يُزعجهم ويُغضبهم تأخر صرف مستحقاتهم، لكن ما يُزعجهم ويُغضبهم أكثر، هو الشعور بالظلم وعدم المساواة.

أتوقف عند المهندس أحمد جابر، الذي تتوجه الأنظار صوبه، وينتظر العاملون منه أن يأتي بما لم يأتِ به الأولون.

إن المهندس جابر، في موقف شديد التعقيد، وقد لا يُسعفه الوقت للمضي قدمًا في مهام منصبه –وفقًا لمراقبين– وليس بيده الكثير، وهو مخيَّر في بعض الأمور، ومُسيَّر في أغلبها، بحكم اللوائح والقوانين والمركز المالي والتحديات، وبحكم التسلسل الوظيفي. فكما أنه رئيس أو قائم بأعمال، فهو أيضًا مرؤوس، محدود الصلاحيات. فهو ليس معه “عصا موسى” وليس ممسكًا بـ”عصا سحرية” لحل المشكلات، وهو نفسه همس للدائرة المقرَّبة منه بأنه: (ليس بيده شيء، وأنه لم يكن يعلم مسبقًا بأنه سيتولى هذه المهمة في هذا الظرف الصعب).

كما أن المهندس “جابر” لم يأتِ من “كوكب” بعيد، فهو كان رئيسًا لشركة مياه الإسكندرية، وكل ما يدور من مطالب واحتياجات، هو نفسه عايشها ويعلمها بكافة تفاصيلها. كما أننا جميعًا نعلم أن الشمس تشرق من الشرق، وتغرب من الغرب. فهو الذي خرج عليه العاملون بالإسكندرية مرتين (يناير ويوليو 2025) في احتجاجات صاخبة، مطالبين برحيله، لتأخر صرف مستحقاتهم المالية والعلاوات الدورية.. إلخ.

المهندس “جابر” ابن الشركة، ويعلم كافة المشكلات وسمعها بأذنيه ورآها بعينيه عشرات المرات، لذلك أصابتني الدهشة، عندما سمعته يطلب من العاملين المحتجين بالقاهرة منتصف نوفمبر الماضي، أن يذكروا مطالبهم، مضيفًا: “ولادي ورايا بيكتبوا كل حاجة”!

حيث بدا وكأنه يسمع شيئًا جديدًا لأول مرة. فعلًا كانت عبارة مُدهشة!

وأخيرًا… المهندس جابر، ليس مطلوبًا منك أن تفعل المستحيل، فقط حقق المساواة كلما أمكن، وسارع في تحسين المركز المالي للشركة القابضة التي أصابها الترهُّل واكتفت بـ “الفتات” في التوقيت الذي يحقق فيه القطاع الخاص المتعامل معها (بضع شركات) المليارات. ساعتها سيعود النفع على الجميع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات