من أخطر الأمراض الاجتماعية ما نراه من إلقاء مخلفات الصرف الصحي في المجاري المائية والتي تشمل الترع والمصارف والبحار. ورغم أن القوانين الموجودة تكفل وقف هذا السلوك المشين الذي يلحق الأضرار المعلومة بهذه القنوات وامتداد الضرر إلى صحة الإنسان مما يصيبه بالأمراض التي كانت غريبة على مجتمعنا. إلا أن هذه الظاهرة المؤلمة ما زالت موجودة، مما يحتاج إلى حملة إعلامية قوية يشارك فيها عدة مؤسسات وهيئات وكذا دور العبادة كالمساجد والكنائس. تلوث المجاري المائية خطر عظيم، يكلف الدولة في معالجة آثاره مليارات الجنيهات. وقد تعلمنا أن الوقاية خير من العلاج وقد عالج الإسلام هذا السلوك المريب في كثير من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة.
فالماء من أعظم نعم الله على الإنسان، وهو المصدر الأساسي للحياة قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) وفي آية أخرى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ). وقد خلق الله تعالى هذا الكون وسخره للإنسان وجعله مستخلفاً فيه، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) فعلى الإنسان أن يحسن التصرف بالموارد التي سخرها الله تعالى له، وأن يحافظ عليها باعتبارها ميراثاً لجميع البشرية، وليست ملك جيل واحد من الأجيال، فلا يحق لأحد أن يعبث بهذه الموارد وأن يدمرها، أو يستنفد حق باقي الأجيال.
وقد بلغ من عناية الشريعة الإسلامية بالماء أن وضع أحكاماً خاصة تتعلق بحفظه وصيانته وحث على عدم الإسراف فيه أو تلويثه. كما حرم الإسلام إهدار هذه النعمة العظيمة بالإسراف أو التلويث، خاصة إذا كان التلويث عاماً يتناول كافة المصادر المائية، وهو حكم يتوافق مع مقاصد الشريعة، وعمومات الأحكام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). والاعتداء على الماء بالتلويث هو من الفساد في الأرض الذي نهى عنه الله تعالى، وتوعد صاحبه بأشد العقوبات، قال الله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ). وقال تعالى: (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) كما أن الاعتداء على الماء بالتلويث هو اعتداء على كل الناس؛ لأن الناس شركاء في الماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ).
ومما يدل على حرمة تلويث المياه ما روى جابر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد)، والبول في الماء الراكد يفسده، وإفساده يؤدي إلى الإضرار بالناس. وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ). وذلك لما فيه من تلويث للمياه وعدم إمكانية انتفاع الناس منه. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على المياه وصيانتها عن التلوث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ) تلويث المياه بكافة الطرق والوسائل أمر محرم شرعاً، ومخالف لتعاليم الشريعة الإسلامية خاصة ونحن في بيئة يشح فيها وجود الماء، ويزداد الأمر حرمة ويشتد إثمه إذا كان فيه زيادة إتلاف للبيئة، كرمي المخلفات الصناعية والمبيدات الحشرية في الينابيع والأنهار، أو رمي النفايات الصلبة الخطرة في البرك والينابيع، أو تسريب مياه الصرف الصحي للمياه الجوفية، أو تسميم المياه المتعمد لقتل الحيوانات الضارة، مما يؤدي إلى تلوث الماء تلوثاً شديداً يؤدي إلى الإضرار بالتربة والمحاصيل وجميع أشكال الحياة، وحدوث مخاطر صحية مؤكدة على حياة الإنسان، وخسارة المصدر المائي بشكل لا يمكن معالجته.
*الشيخ سعد الفقي وكيل وزارة الأوقاف الأسبق**




