بقلم: إسماعيل النويشي
تعيش شركات مياه الشرب والصرف الصحي، على مستوى الجمهورية، واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ سنوات، بعد تصاعد مطالب آلاف العاملين بضرورة ضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016 حتى اليوم، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق ببدل الانتقال والوجبة وفروق الضرائب، وبدل غلاء المعيشة، والالتزام بالحد الأدنى للدخل.
ورغم مشروعية هذه المطالب، فإن حجم العبء المالي الناتج عن ضم العلاوات وحدها قد يرفع مرتبات بعض العاملين بما يتراوح بين 9 آلاف إلي 18 ألف جنيه شهريًا، وهو ما يضع إدارات الشركات أمام تحدٍ غير مسبوق، ويضع رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي المهندس أحمد جابر في مأزق حقيقي، خصوصًا في ظل محدودية الموارد وارتفاع التكلفة التشغيلية.
وبين رغبة العاملين في الحصول على حقوقهم كاملة، وقدرة الشركات المحدودة على الالتزام الفوري، تبرز الحاجة إلى حلول وسط تضمن العدالة والاستقرار، وتجنب اللجوء للنزاعات أو تعطيل مصالح المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الحلول العملية الواقعية التي يمكن أن تُمثل مخرجًا آمنًا لجميع الأطراف منها:
أولًا: ضم العلاوات على مراحل وهذا حل يوازن بين الحق والواقع
ويتم تنفيذ الضم بشكل تدريجي على فترة تمتد من 3 إلى 5 سنوات وذلك أحد أكثر الحلول منطقية وقدرة على التطبيق، بحيث يتم توزيع العبء المالي على سنوات عدة دون حرمان العاملين من مستحقاتهم.
وكذلك يمكن البدء بضم العلاوات الأقدم زمنيًا، أو ضم نسبة من كل علاوة لكل سنة، بحيث يشعر العامل بتحسن ملموس في دخله، بينما تتجنب الشركات صدمة مالية مفاجئة قد تهدد استقرارها.
كما يمكن إضافة مبالغ مقطوعة شهرية كتعويض مؤقت للعاملين حتى يتم ضمها بالكامل، على أن تتم تسويتها في مرحلة لاحقة.
ثانيًا: تشكيل صندوق تمويل ذاتي لعلاوات العاملين
ومن بين المقترحات التي تحظى بقبول كبير، إنشاء صندوق تمويل خاص للعلاوات، يتم دعمه بنسبة صغيرة من إيرادات المشروعات الاستثمارية والأنشطة الموازية التي تحققها الشركات، دون تحميل موازنة الدولة أو الشركة القابضة أعباءً إضافية.
هذا الصندوق يمكن أن يكون نواة لسياسة مالية مستقرة تُسهم في سداد المستحقات القديمة ومنع تراكم أي التزامات مستقبلية.
ثالثًا: تدخل السيد المهندس شريف الشربيني وزير الإسكان لدي رئيس الوزراء ووزير الكهرباء لإسقاط وتسوية مستحقات الكهرباء لدي شركات المياه وتصل هذه المستحقات لأكثر من 18 مليار جنيه، وتمثل عبئًا كبيرًا علي شركات المياه في الخروج من عنق الزجاجة.
رابعًا: إجراءات لتعظيم الإيرادات وخفض الهدر
ولأن تحسين إيرادات الشركات جزء أساسي من الحل، يمكن اتخاذ عدة خطوات موازية، أبرزها:
ـ تحسين نسب التحصيل وتقليل الفاقد في الشبكات ومحطات المعالجة، والتوسع في العدادات مسبقة الدفع، وكذلك مراجعة بنود الصيانة والمشتريات لترشيد المصروفات، بالإضافة لتطوير الخدمات الاستثمارية غير التقليدية.
فكل جنيه يتم توفيره أو تعظيمه يمكن توجيهه مباشرة لحل أزمة العلاوات وبقية المطالب.
وهناك مورد ضخم، لابد من تعظيم الاستفادة منه، ونعلم أن الدكتور سيد إسماعيل نائب وزير الإسكان يوليه رعاية واهتمامًا وأهمية كبيرة وهو تطوير عملية الاستفادة من الحمأة بمختلف الشركات واستثمارها بشكل جيد بما يحقق عائدًا أكبر وأفضل للشركات.
خامسًا: استجابة مرنة لباقي مطالب العاملين
إلى جانب ملف العلاوات، هناك مطالب أخرى لا تقل أهمية بالنسبة للعاملين، ويمكن التعامل معها بطرق أكثر مرونة، منها:
ـ زيادة بدل الانتقال والوجبة بنسب محدودة تتناسب مع الظروف المالية لكل شركة.
ـ وتسوية فروق الضرائب قبل نهاية 2025 وفق تعليمات رئيس الشركة القابضة للمياه.
ـ وصرف بدل غلاء معيشة مؤقت لمدة عام ومراجعته سنويًا.
ـ وكذلك الالتزام الفعلي بتطبيق الحد الأدنى للدخل، وإعلان تقارير دورية توضح مدى الالتزام في كل شركة.
سادسًا: مكاسب متبادلة… واستقرار مطلوب
وتطبيق هذه الحزمة من الحلول يضمن تحقيق مكاسب ومميزات متبادلة لمختلف الأطراف علي النحو التالي :
مكاسب للعاملين: من خلال استعادة الحقوق بشكل واقعي ومتدرج، وتحسين الدخل، وتخفيف الأعباء المعيشية، وكذلك ضمان وجود جدول زمني واضح للحصول علي المستحقات.
مكاسب للإدارة والشركات: من خلال الحفاظ على الاستقرار الداخلي واحتواء الغضب الوظيفي وتجنب تعطل العمل أو الدخول في نزاعات قانونية وكذلك تحسين الأداء المالي دون المساس بجودة الخدمة المقدمة للمواطن.
مكاسب للشركة القابضة ورئيسها: من خلال تقديم رؤية إصلاحية متوازنة أمام الجهات الرقابية والوزارية وتحقيق المصالحة بين العاملين والإدارة وكذلك إنقاذ الموقف المالي دون التضحية بحقوق العاملين.
وختاما: فإن أزمة العلاوات ليست أزمة أرقام فقط، بل أزمة ثقة بين العامل والإدارة، والحلول التدريجية المتوازنة وحدها هي القادرة على إعادة هذه الثقة، وإثبات أن العدالة يمكن تحقيقها دون الإضرار باستقرار الشركات.
وكذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار، وشفافية في الإعلان عنه، ورغبة حقيقية في الإصلاح.
وإذا تعاونت كل الأطراف، فإن الخروج من الأزمة لن يكون صعبًا، بل سيكون خطوة نحو بناء منظومة أكثر استقرارًا وعدالة للعاملين والمواطنين على حد سواء.




