بقلم: ابراهيم علي
في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، صدر قرار جمهوري، يحمل رقم 326 لـ سنة 1995 بإنشاء مدينة الشروق، لتكون إحدى مدن الجيل الثالث، وتؤسس لمجتمع عُمراني جديد، يكون مصدر جذب لسكان القاهرة، ومكاناً للعيش فيها، بهدف التخفيف من حدة التكدس السكاني في المدينة الأُم، التي تعاني مشكلات الزحام والتلوث.
وبينما كانت المدينة الوليدة تخطو خطواتها الأولي نحو الإنشاء والتعمير ، أعلنت في أواخر التسعينيات وبداية العقد الأول من القرن الحالي عن فتح باب الحجز لوحدات سكنية جديدة بمساحات متنوعة بمناطق كثيرة.
الإعلان شهد إقبالاً كبيرًا من عشرات الآلاف من المواطنين الذين سارعوا لوضع موطئ قدم لهم بالمدينة الجديدة.. مدينة الشروق مدينة المستقبل.
الآلاف من سكان المناطق المحيطة بها في مدينة نصر وعين شمس ومصر الجديدة، سارعوا إليها، واصطفوا فى طوابير طويلة.. تقدموا لحجز تلك الوحدات، وقاموا بسداد المبالغ المالية المقررة من دفعات حجز وخلافه.
لم يمر وقت طويل حتي صدر قرار جمهوري آخر وذلك في بداية العقد الأول من القرن الجاري، وهو القرار الجمهوري رقم 191 لسنة 2000، بإنشاء مدينة القاهرة الجديدة والتي بدأت بالتجمع الخامس، ولحقها التجمعان الثالث والأول.. وهى مدينة جديدة تتم إقامتها أيضًا بشرق القاهرة وعلى مرمى البصر من مدينة الشروق، التى لم يتجاوز عمرها فى حينه الخمس سنوات!!!
هنا حدث ما لم يتوقعه وزير الإسكان وقتها، وهو الدكتور محمد إبراهيم سليمان، وأيضًا ما لم يتوقعه كل قيادات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة فى حينه.
حيث شهدت مدينة الشروق عزوفاً وإحجاماً كبيرين، من جانب حاجزي الوحدات السكنية، ولم يعد يتقدم لها إلا القليل، بل والأكثر من ذلك فإن كثيرين ممن سبق وسددوا مقدمات الوحدات السكنية، عادوا وتقدموا بطلبات لجهاز مدينة الشروق لاسترداد تلك المبالغ، وتراجعوا عن قرار الشراء، ولم يعيروا اهتمامًا حتي لتحذيرات جهاز مدينة الشروق بأنه سيقوم بتوقيع غرامات وخصومات إدارية عليهم سيتم استقطاعها من مُستحقاتهم المالية لديه.
وبدأ الجميع يتحول من مدينة الشروق إلى مدينة القاهرة الجديدة التي أصبحت مقصداً لكل من يرغب في السكن في مجتمع عمراني جديد، ولم تستطع وقتها مدينة الشروق الصمود أمام المنافسة الشرسة مع مدينة القاهرة الجديدة، حيث شهدت الأخيرة إقبالاً كبيراً من المواطنين الذين فاضلوا وقارنوا بين القاهرة الجديدة والشروق، لترجح “كَفة ” القاهرة الجديدة على الفور، وهو الأمر الذي ألقى بِظِلَاله على مدينة الشروق ، وتسبب في تأخير معدلات النمو والتنمية بها وظلت فترة طويلة تعاني قلة أعداد السكان المقيمين بها.
الآن نعيش مشهدًا متشابها إلى حَدٍ كبير مع المشهد السابق، وإن كان هناك فارق في القياس في بعض التفاصيل، غير أن القاهرة الجديدة حاضرة أيضًا فى هذا المشهد!!!
حيث تمت إقامة العاصمة الإدارية قبل عدة سنوات على مقربة من القاهرة الجديدة، بالكاد يفصل بينهما ما يسمى بالطريق الدائري الأوسطي .
وجود القاهرة شاهدة وحاضرة على ميلاد هذا المجتمع العمراني المتكامل الضخم، مجرد وجودها بالقرب من العاصمة الإدارية كان ولايزال له انعكاساته السلبية علي المشهد، وذلك رغم أن العاصمة الإدارية تخطيطاً وتصميماً نموذجية ومثالية، وفرت لها الدولة كافة الإمكانات وكل مقومات النجاح، وقد حققت نجاحات فعلية على مستويات عدة، وما تم إقامته بها من منشآت خدمية وثقافية وترفيهية وإدارية، يجعلها مزارًا قبل أن تكون مسكنًا أو مقرًا للعمل أو التعليم .
لكن ورغم كل ذلك، إلا أن معدلات النمو السكاني بها مازالت لم ترتق لما هو مستهدف، ولم تصل إلى المرجو منها، وهنا نعود مرة أخري لمدينة القاهرة الجديدة التي تعيش حاليا مرحلة الشباب والنضج لما تحتويه من أصول عقارية ضخمة كماً وكيفاً، وقيمة ونوعا، ولما تحتويه من جامعات ومدارس ومستشفيات ومقار إدارية ومولات تجارية، بالإضافة إلى كل أوجه وأشكال الحياة التي تعج بها طرقها ومتنزهاتها، إنها بكل ذلك وغيره، دخلت للمرة الثانية، وبحكم التاريخ والجغرافيا، فى منافسة – لم يطلبها أحد – مع العاصمة الإدارية، دخلت صراع المفاضلة والمقارنة، وأصبحت الخيار الأول فى الإقامة والعيش والسكن والتنزه ، حتى لسكان العاصمة الإدارية أنفسم، والعاملين فى وزاراتها ومصالحها الحكومية، وموظفى الشركات والبنوك الكائنة بها، وحتى الطلبة الذين يدرسون فى جامعاتها، إنهم يذهبون للعاصمة الإدارية صباحاً، ويكملون يومهم فى القاهرة الجديدة وما حولها…
وهنا فإن القاهرة الجديدة – إذا جاز التعبير – خلال مرحلة “الميلاد والطفولة”، دخلت فى منافسة مع مدينة الشروق، وخلال مرحلة “الشباب والنضج” دخلت فى منافسة مماثلة مع العاصمة الإدارية، والواقع يؤكد أنها كانت ولا تزال لها الغلبة، وهو أمر يستحق من كافة المعنيين بالأمر التوقف عنده ودراسته والاستفادة منه مستقبلاً.





https://t.me/Top_BestCasino/160