الرئيسيةالرئيسيةهل معيار المحاسبة الدولي رقم IFRS 20 سيكون طوق النجاة لخسائر شركات...

هل معيار المحاسبة الدولي رقم IFRS 20 سيكون طوق النجاة لخسائر شركات المياه والمرافق؟

بقلم: د.محاسب ابراهيم حسن

تخيل أن شركة مياه تقدم الخدمة اليوم، وتتحمل تكلفة فعلية، لكن المقابل الذي تسمح به التعريفة لا يعكس هذه التكلفة في الفترة نفسها.
أين يذهب الفرق؟
هل هو مجرد عجز تتحمله الشركة؟
أم يمكن أن يمثل — في ظروف محددة — حقًا اقتصاديًا قابلًا للاسترداد من التعريفات المستقبلية؟

هذا السؤال يكتسب أهمية جديدة بعد إصدار مجلس معايير المحاسبة الدولية IASB للمعيار IFRS 20 –
Regulatory Assets and Regulatory Liabilities
في مايو 2026، والذي يبدأ تطبيقه الإلزامي دولياً على الفترات التي تبدأ في أو بعد 1 يناير 2029، مع السماح بالتطبيق المبكر.

من «عجز في التعريفة» إلى «حق تنظيمي»

الفكرة الأساسية في IFRS 20 ليست أن كل خسارة تتحول إلى أصل.
بل العكس تمامًا.
إذا تحملت شركة مياه تكلفة أعلى من الإيراد المحقق، فهذا وحده لا ينشئ أصلًا تنظيميًا.
لكن إذا كان النظام التنظيمي ينشئ حقًا حاليًا قابلًا للإنفاذ يسمح للشركة باسترداد مبالغ معينة من خلال التعريفات المستقبلية، فقد تنشأ حالة تدخل في نطاق Regulatory Asset.
وبالمقابل، إذا حصلت الشركة على مبالغ اليوم ترتبط بتعويض عن خدمات مستقبلية وأصبح عليها التزام بتخفيض التعريفات مستقبلًا، فقد ينشأ Regulatory Liability.
إذن القضية ليست:
«هل توجد خسائر؟»
بل:
««هل يوجد حق أو التزام تنظيمي قابل للإنفاذ، ومتى يتحول إلى تدفقات نقدية مستقبلية؟»»
وهنا تكمن أهمية IFRS 20.
لماذا يهم هذا قطاع المياه المصري و قطاعات المرافق الأخرى؟
لأن قطاع المياه بطبيعته قطاع منظم التعريفة، بينما تكاليفه تتحرك بصورة مستمرة.
الكهرباء تتغير.
المواد الكيميائية تتغير
الأجور تتغير.
تكاليف التشغيل والصيانة والإحلال تتغير.
والاستثمارات الجديدة تحتاج إلى تمويل واسترداد على مدى سنوات.
ومن هنا تظهر فجوة محتملة بين:
تكلفة تقديم الخدمة ← التعريفة المعتمدة ← الإيراد المحقق ← التدفقات النقدية.
وهذه الفجوة تستحق الدراسة، لا افتراض أنها أصل أو التزام.
فـ IFRS 20 يستهدف تحديد الآثار المحاسبية لفروق التوقيت الناتجة عن تنظيم الأسعار، وليس مجرد تسجيل الخسائر أو الفروق المالية.
السؤال الأصعب
بالنسبة لشركات المياه المصرية، السؤال الذي يستحق الدراسة ليس:
كم تبلغ تكلفة إنتاج المتر المكعب؟
بل:
«إذا لم تسمح التعريفة الحالية باسترداد تكلفة معينة، فهل يوجد سند تنظيمي قابل للإنفاذ يسمح باستردادها مستقبلًا؟»
إذا كانت الإجابة نعم، فهنا تبدأ دراسة IFRS 20.
أما إذا كانت الإجابة لا، فلا يجوز تحويل الفجوة تلقائيًا إلى أصل تنظيمي.
وهذا هو الفاصل المهني المهم بين:
الفجوة المالية و الحق التنظيمي
أين نبحث؟
يمكن أن يبدأ الاختبار داخل شركات المياه من مجموعة من الملفات ذات التأثير المباشر على تكلفة الخدمة، مثل:
– الكهرباء والطاقة.
– المواد الكيميائية.
– الأجور والعمالة.
– الصيانة والإحلال والتجديد.
– محطات مياه الشرب والصرف الصحي.
– مشروعات التحلية.
– الاستثمارات والتوسعات الجديدة.
– فروق التوقيت بين تحمل التكلفة واستردادها من التعريفة.
– أي آليات تنظيمية تسمح بتأجيل أو استرداد أو تسوية مبالغ مستقبلًا.
لكن لكل حالة سؤال واحد:
«ما السند التنظيمي؟ وما الحق الذي ينشأ؟ ومتى يمكن استرداده؟ وكيف سينعكس على التدفقات النقدية المستقبلية؟»
و نظرا لأن قانون المياه أوضح السند التنظيمي ما بين التعريفة الاقتصادية والاجتماعية
من ملف محاسبي إلى «خريطة اقتصادية»
وهنا تظهر أهمية الموضوع.
IFRS 20 لا يتعامل مع الأرقام بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي للمرفق، بل يربط بين:
التكلفة
↓
التعريفة
↓
الحق أو الالتزام التنظيمي
↓
التدفقات النقدية المستقبلية
↓
القوائم المالية
ولهذا فإن الاستعداد للمعيار لن يكون مسؤولية القطاع المالي وحده.
بل يحتاج إلى تعاون:
القطاع التجاري + المالي + التخطيط + التشغيل + المشروعات + الشؤون القانونية + المراجعة الداخلية.
فكرة عملية: «سجل الأصول والالتزامات التنظيمية»
قد يكون من المفيد أن تبدأ الشركة القابضة والشركات التابعة في إعداد:
Regulatory Asset & Liability Register
سجل موحد يرصد لكل حالة:
– مصدر الفرق.
– التكلفة الفعلية.
– التعريفة المطبقة.
– السند التنظيمي.
– طبيعة الحق أو الالتزام.
– قيمة المبلغ.
– فترة الاسترداد أو التسوية.
– التدفقات النقدية المستقبلية المتوقعة.
– المستندات المؤيدة.
– المسؤول عن المتابعة.
وبذلك لا ننتظر عام 2029 لاكتشاف الآثار المحتملة للمعيار، بل نبدأ من الآن في بناء قاعدة بيانات تنظيمية واقتصادية لقطاع المياه.
هل توجد بالفعل «أصول مخفية»؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يمكن الجزم اليوم بأن شركات المياه المصرية لديها أصول تنظيمية مخفية وفق IFRS 20.
لكن يمكن القول إن نموذج التعريفة والتكلفة في قطاع المياه يستحق اختبارًا منهجيًا لمعرفة ما إذا كانت هناك حقوق تنظيمية قابلة للإنفاذ تحقق شروط المعيار.
وهذا الاختبار قد يقود إلى ثلاث نتائج مختلفة:
تكلفة لا يمكن استردادها تنظيميًا
→ تظل تكلفة أو فجوة مالية.
فرق يمكن استرداده وفق حق تنظيمي قابل للإنفاذ
→ يستحق دراسة الاعتراف كأصل تنظيمي.
مبالغ محصلة اليوم مقابل تعويضات أو خدمات مستقبلية
→ قد تستدعي دراسة الالتزام التنظيمي.
الفرصة قبل 2029
الأهم أن أمام قطاع المياه فترة زمنية مناسبة للاستعداد.
فالهدف ليس البحث عن «أصول مخفية» بأي ثمن.
الهدف هو الوصول إلى إجابة أكثر دقة عن سؤال جوهري:
«من يتحمل التكلفة اليوم، ومن يملك الحق الاقتصادي في استردادها غدًا؟»
وهنا يمكن أن يتحول IFRS 20 من مجرد معيار محاسبي جديد إلى أداة لفهم اقتصاديات المرفق، واستدامة التعريفة، وعدالة توزيع تكلفة الخدمة عبر الزمن.
الخلاصة
ربما لا تكون أهم نتيجة لـ IFRS 20 هي ظهور بند جديد في الميزانية.
بل أن المعيار يدفعنا إلى إعادة النظر في العلاقة بين:
التكلفة – التعريفة – التنظيم – الاستثمار – التدفقات النقدية.
ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يبدأ به قطاع المياه من الآن هو:
«هل كل ما نسميه «فجوة في التعريفة» هو مجرد تكلفة غير مستردة؟ أم أن جزءًا منه قد يمثل حقًا اقتصاديًا تنظيميًا قابلًا للاسترداد؟»
الإجابة لن تأتي من المحاسبة وحدها.
بل من قراءة مشتركة للتعريفة، والتشريع، والتكلفة، والعمليات، والتدفقات النقدية.
وهنا تحديدًا تبدأ قصة معيار المحاسبه الدولي IFRS 20 في قطاع المياه المصري.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات